السيد كمال الحيدري

183

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

لقد بلغ من فرحة الشيخ من جواب الامام أن أنشد أبياتاً من الشعر تنمّ عن مدى سعادته عن إزاحة الغموض والالتباس اللّذين خالطا تفكيره حول القدر والقضاء « 1 » . يومئ النصّ العلوي بجلاء إلى سريان القدر والقضاء في كلّ حركة وسكنة وفعل ، ويضرب بقوّة على المبدأ المغلوط ؛ مبدأ تقارن الإيمان بالقدر والقضاء مع الجبر ، من خلال نفى الالتباس الناشئ عن أنّ الإيمان بهما يؤدّى إلى تعطيل الإرادة الإنسانية وإلغاء حريّة الإنسان واختياره ومسؤوليّته ، ثمّ يعدّد التبعات الخطيرة التي تلزم من الانسياق وراء هذا التفكير الملتبس على مستوى عقيدة الإنسان المسلم ووجوده ودوره في حركة الحياة كما على مستوى الموازين الأخروية ، رافضاً المضامين التي ألَّفَت فيما بعد الاتجاه الأشعري ودخلت في تكوين النظرية الجبرية بشكل عامّ . من الأحاديث الأخرى التي تؤكّد المدلول ذاته الكائن في عدم التعارض بين الحرية والقدر والقضاء ، وتركّز المعنى الذي يقول إنّهما يقعان في سياق نظام السببيّة العام ويتساوقان مع المبدأ السننى ، ما عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله : « إنّ القضاء والقدر خلقان من خلق الله » « 2 » . فحيث يكونان كذلك ، فإنّ الله سبحانه هو الذي جعل هذه المقدّمات ، وجعل تلك النتيجة مترتّبة على هذه المقدّمات ، تماماً كما في مثال النار ، حيث جعل سبحانه النار هي السبب وجعل الإحراق هو المسبّب ، وكلاهما مخلوق له . بتعبير آخر : ما دام القدر والقضاء مخلوقين من خلق الله ، فلايشذّ عنهما نظام السببيّة ولا يخرجان عن نطاق حركة السنن الإلهية والنواميس الربّانية ، بل هما مندرجان في هذا السياق وليسا شيئاً آخر من خارجه ، مفروضين على الإنسان ولاغيين لإرادته وحرّيته .

--> ( 1 ) تنظر الأبيات في : المصدر السابق ، ص 381 . ( 2 ) التوحيد ، كتاب التوحيد ، باب القضاء والقدر ، ح 1 ، ص 364 .